افتتاحيات وشعراء

وانغلق الهواء بين يديَّ الحائرتين ممّا تكتبان، انغلق على خسائرَ أخرى وسوء ِفهمٍ آخر: خسائر الشعراء وسوء فهم الحياة لبدايتهم وخاتمتهم، فالشعراءُ لا يشبهون البدايات في جمودها ولا الكتابات في رتابتها، ولا الزمن في وحشته. لياليهم هائمة في سُهادٍ تملأهُ وحوش النوم الراكضة بصور الفراغ. قيسُهم مجنون بالحرف والنقطة والدائرة. أعوامهم محض ُسرابٍ في زمن الكابوس حيث تندمجُ الحواجزُ بالسلاسل، والأغلالُ بالعوارض ونقاط التفتيش، والأصدقاء بأدلاّء القتلى وتقرير المخابرات، وإشارات المرور بالحواجز والدبابات، والأمكنة بحُلمٍ فقدوه، والتذكّر بالنسيانِ المرِّ، وآهٍ منه ومّنا، نحن الشعراء، فما نملكُهُ من النسيان يكفي لمسح ذاكرة الكونِ كلِّهِ.


يا محمّد، يا صديقي الذي يكرر رحيل الشواهين في ذاكرة الرعد المطشّرة في أسئلة خائبة:

"كيف عامتِ الحربُ خلسة في أنياب السلام، وتناسلت الشظايا في أجساد الضحايا؟ كيف تكرّرت الأحرف والجُمل والمتون في أعمدة ِالإفتتاح؟"

كلّ الافتتاحيات خيانة. التسمياتُ فيها خيانة. الخروج من فخاخها خيانة. الميل إلى ألوانها المتناقضة خيانة. فماذا نفعل بين خيانة الخيانات؟

ومَنْ يسمع دويّ أرواحنا تحت عربات الجثث وهي تعبر علينا باتجاهين؟ الإتجاه الأول يفكّر بمطاردة الملثّمين المرتبكين فينا، والثاني بحياة المدجّجين بالرحيل إلى البقاء. ونحن بين الملثّمين والمدجّجين محضُ سراب، تبتزّنا الظلمات والعربات والمسدسات والإشارات والألوان والجراحات الضائعات في متاهات السقوط . تطارد حروفنا الأشباح والتأويل، وتحاصر أقلامنا المدن التائهة في انتمائها إلى غابة الطيور؛ فمرَّة تنتمي لنا، وأخرى تدخل صندوق انغلاقها الحزين، وثالثة تُدخلنا في جوقةِ النحيب والنعيب والعويلِ والهديلِ والركض بين ماراثونات الخسارات والحروب السرّية، والموت المعلن.

هكذا أنا، لا أشبه الحياة. أتكلَّم حديث الموتى منذُ زمنٍ بعيد. تنتحبُ الدنيا على شفاهِ افتتاحي وختامي. ترقصُ الدمعة على طرف حياتي وتحلِّق بأجنحة تواريخي المحطمةِ بالعنادِ، وتطير كالرصاص الطائش الذي يصيبُ استقرارنا اللا مرئي، في كلِّ يومٍ مكرّرٍ في حياتنا، نحن البشر، توائم الطين والجنون.

لهذا فأنا لا علاقة لي بموتِ الافتتاح، أو جمود ِالكلمات. أركض في لغتي. أعشق جنوني. أتمادى في دمعةِ المدينة الساهمة بالشعرِ والطيورِ، حاملاً حقائبي وظلال أحبّتي المختفين في أعين ِالغربة والضياع، راقصاً مع أشباح ِبهجتي، راكباً خيول رحلتي الأخيرة وحيداً إلاّ من روحي، تاركاً كل البدايات للذين لا يؤمنون بنسيج الاختلاف والحياة، مردداً قول بريخت لنفسي:

"إن قلت متّ، وإن سكتّ متّ." لذا، أيها الصديق، سأقولها وأموت.
-----

Leave a Reply

|

- Copyright © مصطفى رعد Mustafa Raad - Mustafa - Powered by Blogger - Designed by Mustafa Raad -